محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

324

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بالكلية ، وفي أثناء ذلك يصل إليه من المنح الإلهية ، ويشرق عليه من الأنوار الربانية ما تعجز العبارة عنه ، ولا تنتهي الإشارة إليه ، وكل ذلك في عمر قصير وزمن يسير ، فيرتفع له في شهر - مثلا - ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر ، بمنزلة ليلة القدر العمل فيها لمن صادفها خير من العمل في ألف شهر . قال بعض العلماء : « كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر » . كان سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه عنه يقول : « أوقاتنا والحمد للّه ، كلّها ليلة القدر ، فهذا هو البركة في العمر لا تطويله وزيادة مدته » . وقيل هذا المعنى في تأويل ما روى في الخبر : « البرّ يزيد في العمر » « 1 » . الخذلان كل الخذلان في أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه ، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه . من الخذلان أن تصدّك العوائق والشواغل عن التوجّه إلى اللّه تعالى والرحيل إليه ، بل الواجب عليك أن تبادر إلى ذلك وترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك . وقد قيل : « سيروا إلى اللّه ، عزّ وجلّ ، عرجا ومكاسير ، ولا تنتظروا الصحّة ؛ فإن انتظار الصحة بطالة ، قال اللّه تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التوبة : 41 ] . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس ] فإن زالت شواغلك ، وقلّت عوائقك ، ثم قعدت عن التوجه والرحيل فهذا هو الخذلان كل الخذلان ، أعاذنا اللّه منه . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة ، فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجرّ في قياد الشهوات شوّش اللّه عليه نعمة قلبة ، وسلبه ما كان يجد من صفاء لبّه . الفكرة سيرة القلب في ميادين الأغيار . الفكرة التي ألزمها العبد وحضّ عليها هي : سير القلب في ميادين الأغيار فقط ، وهي : مخلوقات اللّه ومصنوعاته . وأما الفكرة في ذات اللّه تعالى فلا سبيل إليها ، يعتبر المتفكرون في آياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( قدر ، 6 ) ، وابن ماجة ( فتن ، 22 ) ، ( مقدمة ، 10 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 ، 502 ، 5 ، 277 ، 280 ، 282 ) .